تخطي إلى المحتوى

أدب يرمم الروح

رانيا منير
رانيا منير
١٥ مايو ٢٠٢٣
👁 1.8K مشاهدة 💬 3 تعليق
أصعب ما قد يواجهه القارئ أن يُطلب منه ترشيح كتاب. فهل يختار ما يحب هو قراءته، أم ما يعتقد أن الآخرين سيحبونه؟ قليلة هي الكتب التي يتفق الجميع على روعتها، وما قد أجده أنا رائعاً قد لا يعني شيئاً لقارئ آخر، وهذا لا يقلل بالطبع من أهمية أي كتاب، ولكن المسألة هي كما يراها هرمان هسه: "لا أؤمن بقائمة أفضل مئة كتاب أو أفضل ألف كتاب، فلكل إنسانٍ منا مجموعة كتب جميلة وقيّمة ينتقيها بعناية، هي المجموعة القريبة إلى نفسه وعقله. لا يُمكن لأي قاريء تكوين مكتبته الشخصية بمجرد شراء الكتب وتكدسيها فوق الرفوف، والأولى بالقارئ أن يصغِي لصوت احتياجه المعرفي، وشغفه الشخصيّ، فيكّون مكتبته الشخصية مثلما يكوّن صداقاته".ومع هذا نحتاج أحياناً لتوصية قراء نثق برأيهم، ولكتب يندر حدوثها كل يوم، لكتب نقرأها كعلاج من التلف الذي تسببه قراءة الأدب الرديء والمنشورات اليومية والمحتوى الفارغ والكلام الأكثر مبيعاً، كتب تذكرنا بما يجب أن يكون عليه الأدب، وكيف يمكن لكتاب أن يحول سخطنا وتعبنا لحالة من الرضا والتصالح وتطييب الخاطر. كما ينصحنا أرنستو ساباتو: "اقرأوا الكتاب الذي يثير مشاعركم، فهو الشيء الوحيد الذي سيساعدكم على تحمّل الحياة".عندما يُطلب مني ترشيح كتاب أفكر طويلا مستعيدة عناوين الكتب التي شعرت بصحبتها بمتعة حقيقية مجردة من أي غاية أو تحيز أو دافع نفعي. وبعد شيء من التردد أقترح بعضاً من النكد السوري، وعناوين روايات تحكي عن أبطال معطوبين "يستهويهم الرحيل بحثاً عن أوهامهم"، وعن عشاق يتساءلون "كيف تكون سوياً قبل أن تكون عاشقاً وأنت في وحل المهانة؟". أو كتباً تفيض بالحس الأنثوي، وتنشغل شخصياتها بحياكة الصوف والخياطة والتطريز والطبخ وتربية النحل وترديد الأغنيات وسرد الحكايات في محاولة منها لمقاومة الوقت "المثقل بالانتظار". أو قد أقترح شيئاً من كتب الحكمة والفلسفة المعاصرة التي تؤكد أننا خلقنا لنعاني ولا حل لذلك سوى بمزيد من الكتب، وأن "تربية الأطفال معاناة، والعمل معاناة، والشيخوخة والمرض والموت جميعها معاناة، وأن فعل كل ذلك وحدك، من دون دعم تستمده من علاقة حب، أو حكمة، أو من آراء مفيدة لأعظم علماء النفس، يجعل المعاناة أكثر مشقة على النفس". ولأننا قد نصل لمرحلة نخشى فيها المخاطرة، أو لنقل إضاعة الوقت في تجارب جديدة لن تعود علينا بنفع كبير، فإننا نفضل أن نبقى في منطقتنا الآمنة، منطقة كتبنا التي نعرفها ومؤلفينا الذين اعتدنا قراءتهم ونشعر بالاطمئنان معهم، فتكون التوصية الأفضل هي إعادة قراءة كتبنا المفضلة كما كان فوكنر يفعل: "الكتب التي أقرأها هي التي عرفتها وأحببتها في صغري وأرجع إليها مثلما يرجع امرؤ إلى أصدقائه القدامى: العهد القديم، تشارلز ديكنز، جوزيف كونراد، سرفانتس، دون كيخوته ـ فلوبير، وبلزاك، ودوستويفسكي، وتولستوي، وشكسبير. كثيراً ما أقرأ لميلفيل، وللشعراء مارلو، وكامبيون، وجونسن، وهيريك، ودون، وكيتس، وشيلي . لم أزل أقرأ هاوسمان . أقرأ هذه الكتب كثيراً بحيث لا أبدأ دائماً من الصفحة الأولى ثم أكمل حتى النهاية. بل أقرأ مشهداً واحداً، أو عن شخصية واحدة، تماماً كما تقابل صديقاً فتتكلمان لدقائق قليلة". لكن عندما طلب مني أحد الأصدقاء أن أرشح له كتاباً، لم أستطع حقاً وحتى هذه اللحظة تحديد هذا العنوان، فقد كان يبحث عن "أدب يرمم الروح" بحسب تعبيره، عن كتاب يحررنا من ضغط العمل ومن الشعور بالاستنزاف، يحررنا حتى من تلك الكتب التي نقرأها لهدف وظيفي، كتاب لا نقرأه لكتابة مراجعة عنه أو التقاط صورة معه، كتاب ننسى معه أن نقتبس ولو جملة واحدة، لأننا هذه المرة نقرأ كعلاج "فعلاج الكتب أعمق من علاج مضادات الكآبة. فالكتب قادرة على أن توقظ الرغبة في الحياة. تستطيع الكتب أن تجعل قضبان السجن تختفي، بالمعنيين معاً، الحقيقي والمجازي".فرشحوا لنا يا أصدقاء ذلك الكتاب..#أدب_يرمم_الروح
مشاركة المقال:

التعليقات (3)

سجّل دخولك لإضافة تعليق

تسجيل الدخول
رانيا منير
رانيا منير

"حديث ليلي"... لاديسلاف مناتشكو

رانيا منير
رانيا منير

ألف شمس ساطعة.. خالد حسيني

رانيا منير
رانيا منير

النسيان .. إكتور آباد فاسيولينسي

مقالات ذات صلة